أحمد بن محمد مسكويه الرازي
139
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
اما هذه فبمنزلة الذهب في اللين والانعطاف ، وأما تلك فبمنزلة الحديد في الصلابة والامتناع ، فإن أنت آثرت الفعل الجميل في وقت ، وجاذبتك القوة الأخرى إلى اللذة وإلى خلاف ما آثرت ، فاستعن بقوة الغضب التي تثير وتهيج بالانفة والحمية ، واقهر بها النفس البهيمية ، فان غلبتك مع ذلك ثم ندمت وأنفت فأنت في طريق الصلاح فتمم عزيمتك واحذر ان تعاودك بالطمع فيك والغلبة لك ، فإن لم تفعل ذلك ولم تكن العقبى في الغلبة لك كنت كما قال الحكيم الأول : « إني أرى أكثر الناس يدعون محبة الأفعال الجميلة ، ثم لا يحتملون المؤونة فيها على علمهم بفضلها ، فيغلبهم الترفّه ومحبة البطالة ، فلا يكون بينهم وبين من لا يحب الافعال الجميلة فرق . إذا لم يحتملوا مؤونة الصبر ويصيروا إلى تعلم تمام ما آثروه وعرفوا فضله . واذكر مثل البئر التي تردى فيها الأعمى والبصير فيكونان في الهلكة سواء . إلا أن الأعمى أعذر ، ومن وصل من هذه الآداب إلى مرتبة يعتد بها واكتسب بها الفضائل التي عددناها ، فقد وجب عليه تأديب غيره وإفاضة ما أعطاه اللّه تعالى على أبناء جنسه . 11 - تأديب الاحداث والصبيان خاصة فصل نقلت أكثره من كتاب « بريسن » « 1 » قد قلنا في ما تقدم : أن أول قوة تظهر في الانسان ، أول ما يتكون ، هي القوة التي يشتاق بها إلى الغذاء الذي هو سبب كونه حيا ، فيتحرك بالطبع إلى اللبن ، ويلتسمه من الثدي الذي هو معدنه من غير تعليم ولا توقيف ، ويحدث له مع ذلك قوة على
--> ( 1 ) . ورد اسمه في كل طبعات الكتاب « بروسن » وقد صححه المستشرق كراوس وقال إنه برسن ) nosyrB ( مفكر يوناني له كتاب « مختصر كتاب الاخلاق لجالينوس » و « كتاب تأديب الاحداث والصبيان » .